فن الكتابة
دكتور/د.عمر عبد العزيز
دكتور/د.عمر عبد العزيز

لكل مهنة فنونها الخاصة، ولعل الكتابة تستمزج فن الفنون باعتبار أن الكتابة تنبثق من معطيات دلالية ونصيّة وتشكيلية وموسيقية، فالمكتوب يتصل بالمعنى القاموسي للكلمات وينزاح بتلك المعاني صوب دلالات ومفاهيم متغايرة، لكن المكتوب ـ أيضاً ـ يتبدّى أمام الناظر بوصفه رسماً ولهذا قال الأسلاف: تلقينا علومنا رسماً عن رسم.. والرسم في الكتابة أشبه ما يكون بالسينوغرافيا في المشهد السينمائي، ذلك أن السينوغرافيا تعني الاشتغال على المشهد البصري بطريقة فنية تؤدي إلى الأبعاد الجمالية والدلالية المتوخاة من ذلك المشهد.. والحال فإن الكتابة تستقيم على موازين دقيقة تتناوب فيها الحروف فيما تتموسق وفق معايير هندسية معلومة بالضرورة، ثم إن الكتابة تنطوي على موسيقاها الخاصة، فتناوب الحركة والسكون بالمعاني الصوتية يدل على التوقيع (الإيقاع) الذي ينتمي إلى ما يُسمّى بالمؤالفات النبيلة للعناصر الصوتية، ولهذا السبب جاء تفكيك الشعر العربي صوتياً وفق أبحر الخليل تفكيكاً يستقيم على تناوب موسيقي بين الحركة والسكون، وهكذا نقول: بدلاً عن 

أمن تذكُّر جيران بذي سلم         

                            مزجتُ دمعاً جرى من مُقلة بدمِ

متفعلن فعلن مستفعلن فعلُن    

                            متفعلن فاعلن مستفعلن فعلُن

لكن الكتابة إلى هذا وذاك تتناوب عناصرها البنائية تشكيلاً وصوتاً وفق منظومة أقرب إلى اللوغاريتمات الجبرية، فاللوغاريتمات أو الخوارزميات ليست إلا تباديل وتوافيق لمنظومة من العناصر الرقمية تتبادل المواقع وتتكامل ضمن موسيقى الرياضيات والجبر، وهكذا هي الكتابة حتى إنه يمكن القول: إن خوارزميات الكتابة لا تتموضع في الرقم والهيئة والصوت فحسب، بل تذهب بعيداً في الأثير لتؤكد سرمدية وجودها وتشابكها العضوي مع موسيقى الكون. ومن لطائف الإشارات في هذا الباب، قول الحلّاج:

نفحات الريح قولي للرشا          

                        لم يزدني الورد إلا عطشا

ليْ حبيبٌ حُبه وسط الحشا       

                           لو يشا يمشي على خدي مشى

روحه روحي وروحي روحه     

                           إن يشأ شئت وإن شئت يشا

سنلاحظ هنا أن حرف الشين هو الناظم للأبيات الشعرية كما لو أنه «مفتاح صول خوارزمي» يمكن الاستدلال عليه من خلال مضاهاة الحروف بالأرقام فيما لا يتسع له المجال هنا.

كيف لنا ـ إذن ـ أن نُمسك بفن الكتابة ضمن هذه المتوالية المعقدة من التراكيب التي تتواصل وتتفاصل.. تندغم في بعضها البعض، وتنفلت من بعضها البعض، تبدو كسبيكة واحدة فيما تتوزّع في عوالم مختلفة؟.

يقيني، إن الإمساك بأمر الكتابة يتجاوز الدربة والعقل والبرهان والدراية إلى فضاءات ما ورائية لا حد لها ولا حدود.. كما إن الذي يكتب لا يسطر ما يخرج من مستودعات العقل والتجربة فقط، بل إنه يُميت تلك المخرجات فيما يتحرك بعيداً، في فضاء الإبداع المتجدّد، المدوزن، بدواخل الأنا المتفاعلة سياقاً مع العرفان.

 

Omaraziz105@gmail.com


في الثلاثاء 19 نوفمبر-تشرين الثاني 2013 02:34:48 م

تجد هذا المقال في ردفان برس
http://rdfanpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://rdfanpress.net/articles.php?id=735